عبد الملك الجويني
47
نهاية المطلب في دراية المذهب
ثم من الأصحاب من جعل المسألةَ على خمسة أقوال : ثلاثةٌ منصوصة ، وقولان مخرجان . 2319 - التوجيه : من قال : إن استغراق الإغماء يبطل ، والإفاقة في لحظة من النهار لا بد منها - وهذا ما نقله المزني - فوجهه أنا لو رددنا إلى قياس النيات وآثارها ، اقتضى أن يُشترطَ ذكرُها ، وانبساطُها على جميع أجزاء العبادة ؛ ( 1 فإن النية قصد ، والقصد الحقيقي هو المقترن بالمقصود ، ولكن استصحاب ذكر النية 1 ) عَسرٌ غيرُ يسير ، والغفلات [ لا دفْعَ لها ] ( 2 ) ، فاكتفى الشرع رخصةً بتقديم العزم . وإذا لاح ذلك ، فلا أقل من [ أن ] ( 3 ) يقع المعزوم عليه بحيث يُتصور القصد إليه ، حتى ينزل منزلة ما يقترن القصد به ، والمغمى عليه لم يقع إمساكه مقصوداً ، حتى يصرف إلى المعزوم عليه ، وينزل منزلة المقصود ، فإذا استغرق [ الإغماء ] ( 4 ) ، فقد عم ما ذكرناه ، فإذا وجدت الإفاقةُ في لحظة - والعبادة لا تنقسم - أتبعنا زمان الإغماء زمانَ الإفاقة . 2320 - ثم ينقدح للناظر مراتب : إحداها - الجنون ، وهو يسلب حكم الاختيار بالكلية ، ويستأصل قاعدةَ التكليف ؛ فيعظم أثره ، حتى يصير طريان القليل منه مفسداً للعبادة ؛ فإنه يكاد يقلب الإنسان عن خاصية الإنسان ، ويلحقه بالأحكام البهيمية . والمرتبة الثانية - الإغماء ( 5 ) ، وهو تغشية العقل على وجهٍ لا يبقى اختيارٌ في دفعه ، ما لم يندفع بنفسه ، وليس كالجنون ، فاتجه أن نتُبعَ زمانَ الإغماء زمانَ الإفاقة ، ونجعلَ مستغرِقه مفسداً . والمرتبة الثالثة - النوم ، وهو مزيلٌ للتمييز ، ولكنه معرض للإزالة على قصدٍ فَخفَّ ( 6 ) أمرُه .
--> ( 1 ) ما بين القوسين ساقط من ( ط ) . ( 2 ) في الأصل : لا تدفع . ( 3 ) زيادة من ( ط ) . ( 4 ) ساقطة من الأصل . ( 5 ) في الأصل : في الإغماء . ( 6 ) في ( ط ) : يخف .